مؤشرات ضعف حكومة الإنقاذ
كثرت هذه الأيام الحوارات داخل المجتمع السوداني عن مدى إمكانية صمود حكم الإنقاذ في السودان في وجه المتغيرات في المنطقة، وبرغم إقتناع نسبة كبيرة من السودانيين بأن حكومة الإنقاذ أصبحت تترنح أمام المصاعب، إلا أن أركان النظام و المنتفعين و المهللين لا يزالون يصرون على قوة النظام الحاكم. إذا أردنا تقييم الوضع، وجب علينا النظر إلى التطورات الأخيرة في السودان و قراءة تصرفات النظام الذي هو أول من يحس بالخطر
أولاً، أصبح النظام دائم الإختباء وراء التجمعات الدولية أو دول بعينها لها دلال على الولايات المتحدة و غيرها من الدول القوية، فمثلاً هذا التصريح المحرج للبشير الذي يقول فيه: “قالو لي لو سافرت حيقبضوك، قلت ليهم بلد فيها حمد بن خليفة ما حيقدروا يمسوا شعرة مني”. في هذا التصريح وضح أن البشير أيقن أنه وصل من الضعف أنه يجدر به الإحتماء بأصدقاء أمريكا لعل و عسى يحموه من التيارات العاتية المقبلة عليه، و هو بالتأكيد يعلم أن أمريكا لا تحمي الكروت المحروقة، فلا حوجة للبشير بعد أن تم فصل الجنوب إلا لفصل دارفور و أبيي و جنوب كردفان و النيل الأزرق و بعد كدة يطلقوا عليه كلبهم أوكامبو
أصبح البشير يرشو الأنظمة الوليدة القوية في العالم العربي و يغازلهم بالسلاح و التصريحات و اللحمة. ففي عز الحروب الداخلية يرسل السلاح لثوار ليبيا، و في عز إرتفاع أسعار اللحوم في السودان يرسل عشرات الآلاف من رؤوس الضان لإسلاميي مصر. يفعل كل هذا مع أنه يعرف أن المشروع الحضاري الذي أفنينا فيه عشرين سنة من عمرنا أصبح خردة يستحيل على أي شخص تسويقه لبلاد تستنشق رائحة الحرية بعد عقود من الكبت، ولكنه يفعل على أي حال فقد تشفع له اللحمة في يوم من الأيام، و الغرقان يتعلق بقشة
أصبح الرئيس السوداني عمر البشير كثير الإنفعال و التحدي، و بالنسبة لأي شخص ملم بصفات الشخصية السودانية هو يعلم بأن أهم صفة في الرجل السوداني هو أنه حليم عند المقدرة، و لعزة نفسه يزداد عنفاً و شراسة كلما أحس بالضعف، فعندما تكثر المهاترات الرئاسية من شاكلة “إنتو تحت جزمتي” و “ألحسو كوعكم” و “الراجل ينزل الشارع” لا أجد تفسيراً غير أن الرجل يعرف أنه أصبح أضعف من أن يواجه التيارات المختلفة التي تخبطه يمنى و يسرى، فكما نقول بالعامية السودانية “الزول دة أفلس” أي نفذ رصيده من الحلم و الحيلة و القوة
و بمزيد من “الإفلاس” قام المؤتمر الوطني بإعتماد إستراتيجية مراوغة جديدة فيها يعارض نفسه، يدعي الإنقاذيون بأن شباب الحزب معارض و يطالب بإصلاحات، و مؤخراً مذكرة شديدة اللهجة من أشخاص “مجهولين” داخل الحزب و عددهم ألف، نعم ألف شخص مجهول داخل حزب في بلد يعرف فيه كل الناس كل شيء عن كل الناس. كل هذا في محاولة لتوسل صبر الناس على أمل إصلاح يلوح في الأفق
أصبح المنتسبين و المحسوبين على النظام يتفادون المواجهة مع أي شخص، و أصبح الحلم من صفاتهم، و من عاش في السودان في فترة حكم الإنقاذ يعرف أن الحلم ليس من صفاتهم، و لكنهم أذكى من أن يعادوا الناس في هذه الفترة الحرجة فغالباً ما سيضحي النظام بأفراد منه ليكونوا كبش فداء له عندما تشتد الضغوط أكثر قليلاً، لا أحد منهم يريد أن “يشيل وش القباحة” فيكون رمزاً واضحاً يجب إقصاؤه. من يعرف الإنقاذيين أيضاً يعرف أن لهم من المكر و طول البال أن يطأطأوا للريح حتى يتمكنوا من الوضع فيخرجوا ما لديهم من بيوت أشباح و فساد و غيره. طأطأوا فأصبحنا نسمع بالعجب من أمثال أن ضابط التحقيق مع محمد بوشي حلف له يمين طلاق أن القبض عليه لم يكن بأمر د. نافع، واضح أنه عنده تعليمات بتوضيح هذه النقطة جلياً، ولو كان الوضع عادياً كلنا نعرف أن بوشي ما كان ليرى ضابطاً ولا غيره، بل كان سيرى النجوم في عز ظهر الأمن الوطني
بمناسبة الأمن الوطني، ظهرت مؤخراً ظاهرة إسمها “الكتيبة الإلكترونية للمؤتمر الوطني” و الهدف منها بث الرسائل دعم النظام عبر المواقع الإلكترونية و التشويش على المعارضة، ولكن لماذا يحتاج المؤتمر الوطني لكتيبة إلكترونية إذا كان ثمانية و ستين في المائة من الشعب صوت للمؤتمر الوطني في الإنتخابات؟ اليسوا هؤلاء كفيلون بالرد على الأقلية السفيهة التي تعارض الحكم الرشيد و التوجه الحضاري؟ يبدو أن هؤلاء الثمانية و ستين في المائة لا يملكون كيبوردات، أو لنقل أنهم غير موجودون أساساً
و بما أن تداعي الإقتصاد السوداني هو أكبر المرشحين للتسريع بتهاوي النظام في السودان، هرعت لجان الشحتة الوزارية تزور العواصم الدولية و رجال الأعمال ليتوسلوا لهم الإستثمار في السودان، و للمفارقة أحد الوجهات كانت للأمير الوليد بن طلال الذي كانوا قد تعالوا عليه عندما كانوا أقوياء، فإن لم يحسوا بالوهن لما رجعوا إليه. ثم قاموا ببث إشاعة مشروع “قلب العالم” بجزيرة مقرسم في محاولة لتخدير المواطنين و إيهامهم بأن الإقتصاد بخير و أنهم سوف يبنون مشروع أسطوري في السودان، أسلوب قديم إستخدموه كثيراً. إذا فرضنا جدلاً أن هذا المشروع حقيقي، فإنه لن يرى النور حتى يعلن الإنقاذيون تنازلهم عن المشروع الحضاري “الخردة” لأن السياح لن يذهبوا طواعية لمدينة بها محكمة نظام عام
أما حكومة الجبهة العريضة التي جعلت أهل الإنقاذ ينتظرون المعارضين شهوراً في مفاوضات إقامتها، و إدعاء الحكومة بأنهم صبروا على المعارضة لإيمانهم بالتعددية هو محض كذب، فالأهداف من هذه الحكومة واضحة، ولم أتحدث إلى أي سوداني إلا و ركز على أن الهدف من هذه الحكومة هو إشراك أكبر عدد من السياسيين الوطنيين في حمل وزر ما يتوقعه الإنقاذيون من خراب آتٍ و تهدئة الشارع الذي يغلي غيظاً و سخطاً فيتوزع اللوم على أكبر عدد من السياسيين، ولكنهم إنتهوا بالإتفاق مع أشباح أحزاب تركت أرواحها في الشارع معارضة و تهافتت على المناصب الصورية
أخيراً، لاحظت خبر غريب محتلاً مساحة مقدرة في صحيفة الإنتباهة لخال الرئيس الطيب مصطفى يبرز فيها مشاكل البطالة المتفاقمة في تونس بعد الثورة و أن عدد العطالى في إزدياد، في محاولة يائسة لإبراز مساويء الثورات… و برضه مصرين أنهم في موقف القوي